محمد الغزالي

325

فقه السيرة ( الغزالي )

عمرة الحديبية جاء تفكير المسلمين في زيارة المسجد الحرام بداية لمرحلة متميزة في تاريخ دعوتهم ، أليسوا يعالنون بعزمهم على دخول مكة ، وهم الذين طردوا منها بالأمس وحوربوا ، حيث استقرّ بهم النوى ؟ وظلّت حالة الحرب قائمة بينهم وبين قريش ، لم تسفر عن نتيجة حاسمة ؟ فكيف ينوون العمرة في هذه الظروف . . . ؟ . والجواب أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أراد بهذا النسك المنشود إقرار حقّ المسلمين في أداء عبادتهم ، وإفهام المشركين أنّ المسجد الحرام ليس ملكا لقبيل يحتكر القيام عليه ويمكنه الصدّ عنه ، فهو ميراث الخليل إبراهيم ، والحج إليه واجب على كلّ من بلغه أذان أبي الأنبياء من قرون : وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 26 ) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( 27 ) [ الحج ] . ومن ثمّ فليس يجوز لأهل مكة أن يحجبوا المسلمين عنه ، ولئن استطاعوا قديما إقصاءهم ، إنهم - بعد ما وقع من قتال - لن يصرّوا على خطئهم القديم . وإحرام النبي صلى اللّه عليه وسلم وصحبه بالعمرة فحسب - وهم يريدون دخول مكة - اية على الرغبة العميقة في السلم ، وعلى الرغبة في نسيان الخصومات السابقة ، وتأسيس علائق أهدأ وأرقّ . ومتى يحدث هذا ؟ بعد أن استفرغت قريش جهدها في إيذاء المسلمين ، وبعد ما بدا فشلها الذريع في ذلك . لقد استمرّت بضع سنين تقاتل وتبذل من دمها ومالها لتهزم الإسلام ، فلم ترجع اخر الأمر إلا بالخسائر الفادحة ، والأزمات العضوض ، على حين رسخت أقدام المسلمين ، وعلت راياتهم ، وانكمش عدوّهم ، وها هم أولاء يخرجون إلى مكة عبّادا مخبتين ، لا غزاة منتقمين . أجل إنهم لا يبغون إلا أن ينالوا مثل ما لغيرهم من حق الاعتمار والحج ،